انتهى عصر الفلوس السهلة في مصر… وبدأ زمن الاستثمار الجاد

انتهى عصر الفلوس السهلة في مصر… وبدأ زمن الاستثمار الجاد
بقلم / رضا عبدالرحمن البروفيسير
لم يعد المشهد الاقتصادي في مصر يسمح بالاعتماد على ما كان يُعرف بـ”الفلوس السهلة” التي اعتاد خلالها المستثمر أن يحقق أرباحًا مضمونة دون حاجة إلى جهد كبير أو ابتكار حقيقي. فاليوم، ومع حالة التباطؤ التي يمر بها الاقتصاد العالمي، أصبح من الواضح أن أي مستثمر يسعى لتحقيق نجاح فعلي بات مطالبًا ببذل جهد مضاعف، ومطالَبًا بما يشبه “النحت في الصخر” للوصول إلى استثمار ناجح وقابل للاستمرار. ورغم أن هذا التحول قد يوصف بأنه تحدٍّ، إلا أنه يمثل في جوهره تطورًا صحيًا يمكن أن يدفع القطاع الخاص نحو المزيد من الجدية والكفاءة والابتكار.
شهدت مصر في الفترة من 2003 وحتى 2007 واحدة من أكثر المراحل رواجًا للاستثمار السهل، نظرًا لتوافر ظروف استثنائية ساعدت على تحقيق أرباح مرتفعة دون مخاطرة حقيقية. فقد وفّرت الدولة آنذاك أراضي بأسعار منخفضة للغاية، كما كان دعم الطاقة يغطي جزءًا كبيرًا من التكلفة التشغيلية، فضلًا عن انخفاض تكلفة العمالة، وهو ما جعل بيئة الاستثمار جاذبة لأغلب القطاعات.
ولعل المفارقة الأبرز في تلك المرحلة أن أسعار البترول عالميًا شهدت تقلبات حادة وصلت إلى قفزات تاريخية، إذ ارتفع السعر فجأة من 25 دولارًا إلى 147 دولارًا للبرميل. ورغم ذلك لم يتأثر المستثمرون في مصر بالسلب، بفضل منظومة دعم الطاقة التي حافظت على هامش ربحية مرتفع وساهمت في استمرار موجات التوسع والرواج.
كانت تلك الظروف أشبه بفرصة ذهبية؛ فرصة وفّرت طريقًا سريعًا للربحية، وبيئة شبه مثالية للنمو. لكن الأهم أنها كانت فرصة استثنائية… ولم تعد قائمة اليوم.
مع التحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، أصبح النموذج القديم غير قابل للاستمرار. فقد ارتفعت أسعار الأراضي، وتراجعت مستويات الدعم، وازدادت تكلفة الإنتاج، بينما يتزامن ذلك مع تباطؤ الاقتصاد العالمي واشتداد المنافسة على المستوى الإقليمي والدولي.
هذا الواقع الجديد يعيد تعريف معايير النجاح، بحيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على ظروف مواتية أو دعم حكومي واسع، بل بات النجاح مرهونًا بالاعتماد على: الابتكار وتطوير نماذج أعمال جديدة و تحسين الإنتاجية ورفع كفاءة التشغيل و الاستثمار في التكنولوجيا والتحول الرقمي و خلق قيمة مضافة حقيقية للسوق و إدارة المخاطر بطرق أكثر احترافية إنها مرحلة تتطلب عقلية مختلفة؛ عقلية ترى في التحديات فرصًا، وتدرك أن الاستثمار لم يعد سباقًا قصير المدى، بل مشروعًا طويل النفس يعتمد على الدراسة والعمل الجاد والتخطيط الدقيق. انتهاء عصر الفلوس السهلة في مصر ليس نهاية الفرص، بل بداية مرحلة أكثر نضجًا في مسار الاستثمار. مرحلة تدفع القطاع الخاص نحو تطوير أدواته، والاعتماد على الابتكار بدلًا من التسهيلات. وإذا كان الماضي قد قدّم فرصة استثنائية، فإن الحاضر يفرض واقعًا جديدًا، قد يكون أكثر صعوبة، لكنه بالتأكيد أكثر استدامة لمن يعرف كيف يصنع النجاح.


