غنيم … محافظ تخطى حدود منصبه

غنيم … محافظ الذي تخطى حدود منصبه
شريف سليمان
في زمن أصبحت فيه الإدارة المحلية أحد أهم مفاتيح التنمية الحقيقية، يبرز اسم الدكتور محمد هاني غنيم، محافظ بني سويف، كأحد النماذج الإدارية الاستثنائية في مصر خلال السنوات الأخيرة. فمنذ توليه المسؤولية، نجح غنيم—أحد كوادر البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة—في أن يضع محافظة بني سويف على مسار جديد يقوم على الرؤية والتخطيط والعمل الميداني، رغم محدودية الإمكانات وخصوصية التحديات التي تواجهها المحافظة.
لم يكن الرجل مجرد محافظ تقليدي يؤدي مهامًا روتينية، بل كان—ولا يزال—صاحب رؤية تتجاوز حدود المحافظة، وتؤهله لأن يكون واحدًا من الأسماء المرشحة بقوة لشغل منصب وزاري في أي تعديل حكومي مرتقب.
منذ لحظاته الأولى في ديوان عام المحافظة، بدا واضحًا أن غنيم ينتمي لمدرسة الإدارة الحديثة القائمة على التخطيط العلمي والشفافية، والتحرك على ملفات متعددة في وقت واحد دون إغفال التفاصيل الصغيرة. وقد انعكس ذلك في نقلة نوعية شهدتها عدة قطاعات داخل المحافظة خلال فترة وجيزة، أبرزها:
استطاع المحافظ أن يحقق معادلة صعبة في ظل ميزانية محدودة، حيث عمل على توجيه الموارد المتاحة بما يخلق أكبر قدر ممكن من العائد التنموي. ونجح في إطلاق مشروعات تنموية صغيرة ومتوسطة ومتناهية الصغر، مؤمنة بخلق الاقتصاد المحلي وتعزيز قدرته على خدمة المواطنين بدل الاعتماد الكلي على المركز كما ركّز على التنمية الريفية، والعمل على رفع جودة الحياة في القرى والمراكز، بما ينسجم مع رؤية الدولة لبناء مجتمع عادل ومستدام.
رغم التحديات التمويلية، شهدت بني سويف طفرة ملحوظة في تطوير شبكات الطرق، والمرافق، والخدمات الرئيسية. فقد اعتمد غنيم نموذجًا يقوم على تحسين شبكة الطرق الداخلية لتسهيل الحركة الاقتصادية و تحديث محطات مياه الشرب والصرف الصحي و رفع كفاءة الخدمات العامة و تنفيذ مشروعات صيانة مستمرة بدل الانتظار لتدخلات متأخرة هذه التحركات لم تنعكس فقط على شكل المدينة والقرى، بل على جودة الحياة اليومية للمواطن البسيط.
من الملفات التي تُحسب لغنيم إدراكه المبكر لأهمية صناعة النباتات الطبية والعطرية كأحد أعمدة الاقتصاد غير التقليدي في مصر. وقد عمل على دعم هذا القطاع الواعد عبرتخصيص أراضٍ مؤهلة للزراعة التعاقدية و تشجيع المستثمرين على إقامة مصانع استخلاص وتعبئة و دعم الشباب ورواد الأعمال للدخول في هذا المجال و التوسع في إنشاء مناطق لوجستية مرتبطة بالزراعة التصديرية وهو ما جعل بني سويف اليوم واحدة من أكبر محافظات مصر قدرةً على الدخول بقوة في سوق النباتات الطبية عالميًا.
كونه أحد خريجي البرنامج الرئاسي، يدرك المحافظ أهمية الاستثمار في طاقات الشباب، ولذلك فتح لهم الباب واسعًا للمشاركة في العمل التنفيذي والمجتمعي عبر مبادرات تمكين شبابي حقيقية و منصات حوار دورية بين التنفيذيين والشباب و دعم مشروعاتهم الاقتصادية والتطوعية و إشراكهم في لجان التخطيط والتنمية وقد انعكس هذا على خلق جيل جديد من الكوادر المحلية القادرة على تحمل المسؤولية.
يُعد غنيم واحدًا من أكثر المحافظين تواصلًا مع الناس. فسياسة الباب المفتوح، والتواجد المستمر في المواقع الميدانية، والاستماع لشكاوى المواطنين ومتابعتها حتى الحل، جعلت من بني سويف نموذجًا متقدمًا في الإدارة المحلية القائمة على الشفافية والمشاركة.
وتؤكد لقاءاته الدورية مع الأهالي والقيادات الطبيعية أن المحافظ لا يبني خططه في المكاتب، بل في الشارع وبين الناس.
ربما أكبر إنجازات غنيم أنه استطاع تغيير الصورة الذهنية عن بني سويف من محافظة مهمشة إلى محافظة تملك مشروعًا ورؤية ومسارًا واضحًا. وقد تمكن من جذب استثمارات جديدة و تعزيز موقع المحافظة في الخريطة الصناعية و دعم المناطق الاقتصادية و إعداد خطط مستقبلية تستهدف الاستدامة وليس الحلول السريعة وأصبح من الواضح أن بني سويف، تحت قيادته، تتحرك بثقة نحو تحقيق مكانتها المستحقة.
يمتلك الدكتور محمد هاني غنيم مزيجًا من الفكر الإداري العصري، والقدرة التنفيذية العالية، والاتصال الفعّال بالناس، وهو ما يجعله نموذجًا للمسؤول الذي يتجاوز حدود منصبه. ومع ما حققه في بني سويف، ورغم الإمكانيات المحدودة، أصبح الرجل مرشحًا طبيعيًا لأي منصب وزاري، إذا ما رأت الدولة الاعتماد على خبرات مكتسبة من أرض الواقع لا من الكتب وحدها. فغنيم ليس مجرد محافظ ناجح… بل رجل دولة أثبت أن القيادة ليست موقعًا، بل رؤية وقدرة وصدق في الأداء.


